حوار مع الروائي المغربي عبدالنبي كوارة


حوار مع الروائي المغربي عبد النبي كوارة

الكاتب و الروائي المغربي 
عبد النبي كوارة :
·أكتب لأسهــم فــي خلق ضميــر أدبي مغربــــــي
·الذي يصطحب الصبر لا يسعه إلا أن يبتسم

عبد النبي كوارة

عبد النبي كوارة واحد من رواد الجيل الجديد في كتابة الرواية المغربية ،
 و تعتبر رواية " ورم التيه " التي صدرت لهذا الكاتب زلزلة إبداعية في منظور النسق التقليدي الذي دأبت عليه كتابة الرواية المغربية حتى الآن شكلا و مضمونا ، سواء من حيث حبكتها وأسلوبها أو من حيث شحن المواقف و الرؤى بالإيحاءات المتعددة و الدالة.
عن كنه الكتابة و التوجه نحو الرواية بالذات ، و الإشارة و الرمز و الإحالة و النقد ، و معانقة الكاتب لمختلف القضايا المجتمعية و ضروب الفكر و المعاناة التي تجعل من قدر الكاتب أن يكون متميزا، تنصب محاور هذا اللقاء الذي جمعنا مع الكاتب و الروائي عبد النبي كوارة .

·ما هي الكتابة بالنسبة إليك ؟ 

الكتابة حفل زهي بهي ، و مأتم رهيب حزين على السواء . هي انشغال لا يسمح بالكذب و البهتان و لا بالغش و الإحتيال ، هي هروبي من محيطي العام على أمل اللقاء به وفق شروط أمليها عليه ، و دوما يكون مصدرها رغبة عنيفة لا تغنم بإشباع أبدا.

أكتب إذن لأسهم بدوري في خلق ضمير أدبي مغربي ، في نسيج جمعي يبدد العناد و التصلب و كذلك يقضي على التغابي و التبليد ، أكتب كذلك لأشعر ، في خلستي على الأقل ، أنني أنتمي إلى العالم و كل الكون عن جدارة و إستحقاق ، و أنني حر في مجتمع تتقاطع عنده كل التحولات وكلها تطالب بتقديم النفس و الضمير المدني و جمارك العولمة المحتملين .

أكتب كذلك لأن في الأحياء الخلفية و السفلى تعترش دوالي المرض و الجهل و الحرمان قامات أطفال و نساء ورجال هم على الصبر و المكابرة يعيشون و أنني في عزلتي النائية أتوق إلى مزيد من الإستغراق في نفسي الموزعة بين هنا و هناك ، و كذلك أهفو إلى مزيد من الصدق المنجز حتى الثمالة .

·لماذا كان توجهك نحو الرواية بالذات ؟

لا أعرف لماذا توجهت بالضبط نحو الرواية و لكني أعرف لم إخترت الأدب عموما ، كان علي في لحظة ما ، في يفاعة عمري أن أختار بين أن أحترف كرة القدم أو أتفرغ للموسيقى و العزف على القيثارة أو أن أدخل الصف و أقرأ و أكتب . الآن و أنا اكتب القصة و الرواية أدرك جيدا أنني فعلت صنيعا حسنا .

لم تكن كتابة الرواية إختيارا ، و إن كنت أدرك جيدا أن كتابتها تشترط تجربة وجودية تشكل منعطفات كثيرة وحاسمة ، كما أنها تتطلب من كاتبها الصبر و المواظبة ، أن يعزف ألف تنهيدة و تنهيدة في الدقيقة ، أن يحترق في عزلته ضاربا عرض الحائط كل فرص الترقي و ركوب جسور الوصول القصير . أن ينسج في عزلته القريبة البعيدة صدى إدراكه للوجود و الموجود ، أن يؤلف سمفونية حب الوطن على ورق نظيف .

·تعتبر اللغة أداة التعبير الأساسية في عملية الإبداع في مجال الكتابة ، و بحكم تكوينك و تمكنك من ثلاث لغات هي العربية و الفرنسية و الإنجليزية ، لماذا اخترت كتابة رواية " ورم التيه " باللغة العربية ؟

لم اختر الكتابة باللغة العربية وربما حصل الأمر بعفوية واعية كرهان على صدق ما ، و أعتقد أن مراهنة عظمى كهاته لا يتم إنجازها إلا عبر اختيار اللغة الوطنية . ثم إني لا أحس بأي غرور لأعتبر أن الفرنسيين و الإنجليز في حاجة ملحة لأن أغني رفوف مكتباتهم مزيدا .

كتبت إذن باللغة العربية لأنني تعلمت اللغة الفرنسية و اللغة الإنجليزية ، وكلما تعلمت لغة أخرى ستزداد عندي عفوية الكتابة باللغة العربية وعيا أصيلا يمتح من عمق الإنتماء و لذاذة إشراق هذا المقام الحضاري الجميل. أكتب بالعربية لأني ما زلت أشم رائحة إنتمائي الأصيل ، ورائحة عطور عقيدتي و رائحة البعير العربي ، أهرع إليها ، أستنجد بها كلما تهددتني دواهي اللغات و استيلابات فضاءاتها فترجع إلي هويتي غير مأزومة و لا مشنوقة ، و تعود إلى عروبتي بكل خام عروبتها لينحصر كل الوعي بالماضي و الحاضر و المستقبل ، و يحصل الإنعتاق المتعدد المتعة و الإمتاع .

·الذي يقرأ رواية " ورم التيه " يشعر منذ البداية بأنها روايتان في رواية واحدة ، الأولى بطلها أبو المكارم ، و الثانية حسن . استطعت بحنكة نادرة أن تربط بين خيوطهما . ألا يعتبر هذا النهج الذي قد تكون رائدا فيه نتيجة تأثير لقراءاتك المتعددة لكثير من الأعمال الروائية العالمية في نصوصها الأصلية باللغة الفرنسية والإنجليزية ؟

أعتقد أن فعل القراءة لأعمال إبداعية بالفرنسية و الإنجليزية ساهما لاريب في ولهي وولعي بجنس الرواية حتى تكون لدي وعي بخارطة السرديات و فنون القول ، أضف إلى هذا المتابعة النظرية و كذلك أسفاري إلى أمريكا و أوروبا التي زرتها أول مرة قبل ثلاثة عقود و التي ما زلت أواظب على الغربة المؤقتة بها .

كان من فوائد أسفاري أن عاينت فضاءات لروايات قرأتها ، حضرت لمهرجانات عالمية ، زرت متاحف مرموقة، نزلت ضيفا في أعراسهم ومعزيا في مآتمهم ، ركبت جبال البرانس لشراء جبن الماعز ، أو ركبت الفرس للنزهة في الكولورادو ، كل هذا و أشياء أخرى و أخرى رأيتها و قرأت عنها أسهما في استيعابي الثقافي لإبداعاتي التي تعجبني و تشاغبني على السواء.

أذكر كتابات جويس و فوكنر و لورنس و ميلفيل و بروست إضافة إلى القراءات العربية ، و استحضاري ذهنيا للروايات الأصل التي كنت أواظب على الحضور إلى حلقاتها بساحة الهديم و ساحة ضريح الشيخ الكامل و فضاء الزويتينة و أنا ما أزال طفلا صغيرا يتعلم أبجدية التيه في دروب مكناس العتيقة .

أظن أن من شأن هذا الرقص على الحبل الفارق لأكثر من حضارة أن يفرز نهجا عفويا يغرف من التداعيات و الإنسيابية و لغة الباطن بطريقة مكثفة ، و إن من شانه كذلك أن يخلق خاصية تنهل من الرمز و النفس و الرومانسي و الواقعي في انسجام تام مع الذات و الهوية ، حيث تهفو رواية " ورم التيه " لتكون الأم التي تحضن بكل العطف و الحنان كل أبنائها ، كانوا رمزيين أو رومانسيين أو واقعيين.

·هل " ورم التيه " هو أول عمل روائي كتبته ، وهل في مخزونك أعمال روائية أخرى ؟

صحيح أن " ورم التيه " هو أول عمل ينشر لي ، إلا أنني كتبت قبله أربع روايات لم أنشرها بعد ، إنها جاثمة في الأدراج ، ولست أدري متى يصل موعد نشرها . باختصار شديد ، لم يعد يهمني كم رواية نشرت لي وما خفي في الأدراج في غياب السند و التفرغ ، وهما شرطان ضروريان لكل فعل التزام بالكتابة للإسهام في التنمية الثقافية . 

·ورم التيه أسالت الكثير من المداد حولها من طرف النقاد و المهتمين . كيف تقبل عبد النبي كوارة ما قيل في حق منجزه الإبداعي ؟

جل المقاربات كانت جديرة بالاهتمام وأنها نفذت إلى امتدادات كنت أغفلها . إنني لا أعتبر نفسي وصيا على "ورم التيه" وإن كنت كاتبها، إنها في الملك العام، وإن من شأن القراء أن يسهموا في إبداعها الجمعي،بمعنى أن يستجيبوا لما جاء في ورقة الالتزام التي تضمنتها الرواية، حيث أنتظر من القارئ أن يكون راويا و كاتبا إذا اقتضى الحال.

·إلى أي حد قد استفدت من تلك المقاربات؟

الاستفادة كانت مهمة و محفزة، و من بين تلك الدراسات ما استفزني إيجابيا و جعلني أنكب على قراءة الرواية من جديد، و الحق أنها كانت قراءة متأنية جعلتني أنصت لما كنت كاتبه ذات أيام، بحيث تجردت من زهوي الوهمي و تجرأت الإجرائية. مقاربة لتلك الدراسات ، فقد كان لها وقع كبير على نفسي وتضمنت كل الأخطاء التي وردت في الرواية والتي، في اعتقادي ، لا تخرج بدورها عن نطاق التيه و تطويقه.

·الإشارة ، الرمز و الإحالة تكاد تكون خاصية طبعت "ورم التيه" منذ الصفحة الأولى إلى آخر كلمة في الرواية ، هل كان ذلك متعمدا وفق وجهة نظر محدودة و بناء مسبق لهيكلة الرواية ، أم هو توجه عفوي نتيجة احتدام نفسي يخرج عن نطاق التطويق؟

أقر أنني كتبت "ورم التيه" بعفوية واعية منتقاة ومستقاة مما تعلمته من الناس ومن الكتب ، فما تعلمته من الناس فهو في قيمة التبر، وأما ما غرفته من الكتب فهو النور بعينه.
أبدا لم أعقد للرواية تخطيطا ولا سندا مرجعيا، وإن كانت عفويتي تلتقي مع دوائر نظرية تمتح من ديمومة برجسون و أبحاث وليام جيمس حول الإنسيابية وتيار اللاوعي، وكتابات ابن جني وابن تيمية حول التماثل التمثل والمماثلة.

·كل الذين يعرفون عبد النبي كوارة عن قرب يشهدون بأنه رجل بشوش ، هادئ ومتفائل لا تكاد تفارق شفتيه الابتسامة ، و مع ذلك فإن رواية "ورم التيه" ترصد لكثير من التشاؤم أو المواقف العنيفة التي تأخذ حيزا كبيرا في تفكير شخوصها و المساحات الزمانية و المكانية التي يتموضعون داخله ، هل هي مفارقة مقصودة؟

إن الذي يصطحب الصبر لا يسعه إلا أن يبتسم ، لذا فلا يغرنكم مني ابتسام، ولا تنتظروا أن أنخرط في التشنج العمومي، و حتى إذا كان تفاؤلي لا يجديني فإنه يجدي الآخرين على الأقل ، هي ذي ذروة العطاء الإنساني ، أن أوزع المناديل على الذين يحترفون البكاء ، و أطالبهم بالتوقف عنه فورا ، لا أريد أن أتهطل دموعي مع دموع الآخرين ، أصرفها بسمات تنطق خوفي من الواقع الشرد الذي يتهدد الإنسان العربي أينما لاقيته و الذي يولد فاضلا بطبعه.
هل هي بعد هذا مفارقة إذا رقص الطير من شدة ألم الذبح ، وإذا ابتسم الإنسان من كثرة الأسى و التأسي على واقع الحال العربي ! إنها مفارقة قسرية و لكنها عن منطق التخطيط و القصدية ، و هي نسيج من انفعالات بخيوط من حرير خالص وقنب رخيص.


مع الفنان التشكيلي داني زهير أمام باب المنصور.. مكناس (المغرب)

حاوره: الفنان المغربي داني زهير

إرسال تعليق

أحدث أقدم