حينما ولد سعد لم يكن له أب، فقد تركه والده صالح وهو لا يزال جنين في بطن أمه.نبذه كما نبذ أمه منيره من قبله، واختار الرحيل لأمريكا هرباً من ابنة عمه التي تزوجها ولم يشعر نحوها بأي حب، ومن مجتمعا لم يجد نفسه فيه.
لم يمضي على زواجهما سوى شهران حينما زفت منيرة لصالح نبأ حملها، فعاجلها برغبته في الانفصال والرحيل من البلاد. تشنجت وكادت أن تقع وتتهاوى كشظايا كتلة أدمية متناثرة على الأرض، بعد سماع كلماته وصداها وهو يتردد على أذنيها كأصوات التصعيد في سيمفونية أراد قائد الفرقة أن تصم الأذان ليصل بها لنهايتها.
- الطلاق؟
- نعم ..ننفصل بهدوء.
- والسبب؟
- لا يوجد سبب.
- متزوج من غيري؟
- لا ..لكن زواجنا كان غلطه كبيرة.
وما كادت تسمع منيره كلمات أبن عمها حتى أصيبت برعشة في جسدها واختفى صوتها ووقعت على الأرض مغمى عليها.
وفي المساء حضر والدها ليأخذها معه، خرجت من المنزل وهي تشعر بأن روحها قد سلبت منها، فقد أحبت صالح وشغفت به إلى درجة أنها كانت على استعداد لأن تضحي بحياتها من أجله.
شعرت وهي تسير مبتعدة عن بيتها وكأن أركان حياتها قد تهاوت أمام ناظريها .
لعنت حظها التعيس وحياتها التي أشبه بحياة القرابين البشرية التي تذبح على أبواب المعابد الوثنية لإرضاء الآلهة لكنها كانت قرباناً ملعوناً فقد تم بصقها لتعود من حيث أتت.
- لا أريد هذا الطفل أبدا.
هكذا أكد صالح لأبيها وهو يصرخ قبل أن ينسل من حياة منيرة وتخرج هي من منزله للأبد.
قررت أن تحتفظ بالجنين رغم ما فعله ابن عمها وحينما ولدت ذكراً كادت تطير من الفرح، لأنه صار لها أبن ولم تعد وحيدة في هذه الدنيا.كما زاد من فرحتها ما كان يقال لها، من أن الرجال تلين قلوبهم ويعودون لزوجاتهم حينما تلد النساء لهم أولادا ذكورا.
أسمته سعد وكان صورة من أبيه بدمائه النجدية وملامحه الصحراوية، وبشرته السمراء ووجهه النحيل وأنفه الشبيه بسلة السيف. ويوجد في أعلي كتفه شامة كالتي تعلو كتف أبيه. أرسلت أمه منيرة رسائل لأبيه في أمريكا تعلمه أنه أصبح أبا لمولود ذكر شبيه له، ولكن والده لم يكترث لخبر المولود وتجاهل الرسائل .
لم تيأس من رجوعه رغم عدم رده على رسائلها، ورغم نبذه لها ولأبنه، فقد أوهمت نفسها أنها مجرد عين حاسد كما كان يتناقل على ألسنة النساء من قريباتها، فنذرت النذور وذبحت الخراف ووزعتها على الفقراء بسرية تامة خشية أن يعلم من أصابها بالعين فتفشل محاولاتها لإعادة والد أبنها، زوجها وحبيبها.
ذات ليلة بعد أن حل الظلام وتلألأت نجوم السماء وجهزت مرقدها هي ووليدها سمعت همسات قادمة من غرفة أبيها الملاصقة لغرفتها فانسحبت للخارج بخلسة تمشي على أطرافها
فقد اشتد بها القلق حينما سمعت اسمها واسم أبنها يتردد أكثر من مرة على لسان أبيها وما أن اقتربت وأرهفت السمع عند الباب حتى صعقت
كان والدها يتجادل مع أمها حول مصيرها بعد الطلاق.
مطلقه! ...مطلقه !
ما أن سمعت كلمة مطلقة حتى دارت بها الأرض ثم خرت مغشيّاً عليها.
كانت تلك الكلمة كالزيت المغلي الذي رُمي على صدرها ليحرق ما تبقى فيها من شعور تجاه صالح والحياة.
مطلقه وأم لطفل هكذا كانت تلوكها ألسنة نساء العائلة، ما بين امرأة شامتة إلى أخرى خائفة على زوجها من المطلقة الجميلة التي لم تتجاوز العشرين من عمرها.
كانت المسكينة تذر على جرحها الملح وتبلع الألم قبل بزوغ كل فجر وتقوم مع كل صباح لمساعدة زوجات الأخوة اللاتي يقمن معها في منزل العائلة، فتعجن وتخبز
وتجهيز الإفطار للرجال قبل خروجهم للعمل.
تعلمت أن ترسم حول نفسها دوائر حتى لا يجرؤ احد على الاقتراب منها ومن أبنها، ويزيد جراحها بكلامه أو تصرفه، مستمدة قوتها من حماية ودعم أبيها لها.
وحاولت أن تصنع لنفسها كرة بلورية سحريه تختفي في داخلها هي وأبنها بعيدا عن وشايات زوجات الأخوة وثرثرات نساء الحي.
حول عدم زواجها من جديد وتصم أذنيها عن أحاديثهم حول مركب العمر الذي قد يرحل عنها بعيدا تاركها وحيدة .
كلما كبر سعد واشتد عوده كبرت ملامحه وصار شبيها لأبيه، ورغم ذلك لم تنفر منه وهي ترى فيه من قسمات من هجرها، وتركها تعاني لوحدها مرارة العيش وهو ينعم في أمريكا مع زوجته أو صديقته الأجنبية، أو هكذا كان يخيل لها.
كم من ليلة بقيت تفكر بابن عمها الذي لفظها كما يلفظ البحر البقايا على شواطئه وترميها موجاتها العاتية كثقل لا فائدة منه، كذلك فعل ابن عمها قذف بها لأنه لم يكن لها مشاعر الود. كم من ليلة جفا النوم جفونها وهي تفكر بتلك الأجنبية التي ارتبط بها صالح بدلا منها، وربما تكون اختطفت عقله وجوارحه.
كانت تصرخ ساخطة حينما تتصوره مع امرأة أخرى غيرها، فتقول وبصوت عالي:
- فليحترق في جهنم.. تركني من أجل أجنبية شقراء عيونها كعيون ........
كان قلبها يرفض أن تقول آمين بعد أن تدعو عليه، ثم ما أن تهدا حتى تثور من جديد في عقلها عشرات الأسئلة عن أبن عمها، هل هو نائم؟ هل هو سعيد؟ هل هو مريض؟ هل هو في هذه اللحظة مع امرأة أخرى؟
إذا كنت يا ابن عمي تبحث عن الجمال فمما أشكو؟ هل ينقصني الجمال والجسم؟
كانت تنظر لنفسها بالمرأة كل ليله وهي تمشط شعرها الطويل فلا ترى عيبا في جمالها العربي الأصيل. كما أنها تلاحظ كيف أن عيون الرجال تتبعها أينما تذهب، والنساء يشعرن بالغيرة من بشرتها البيضاء الناعمة وتقاطيع وجهها الرائعة الجمال، ومن طولها وقوامها الرشيق، وعيونها التي تسلب القلوب وشعرها الأسود الكثيف والذي اعتادت أن تظفره على شكل جديلتين تنحدران إلى أسفل خصرها.
وتمر الأيام لتموت الأسئلة ويحفر الحزن بداخلها حفرة سحيقة لتدفن فيها مشاعرها وتعيش في عذاب مستمر، فقد أحست بالضآلة وانكمشت وبدأت حتى ملامحها تتغير، فليس اقسي على المرأة من أن تكون منبوذة من رجل أحبته بكل عواطفها.
ولم تمضي سوى ثلاث سنوات حتى مات والدها وتفرق الأخوة وسكنت أم سعد مع والدتها وأبنها في منزل صغير بينما تقاسم الأخوة الذكور الإرث كاملا ولم تنل منه سوى الفتات.
ما كان المال ليهمها، فقد كانت معركتها الكبرى هي في تربية أبنها سعد، كان هو وطنها وجدارها الذي تعتقد أنها ستتكئ عليه عندما تكبر.
ترقب خطواته وغدوه ورواحه، تتبعه وتراقب حركاته أينما سار.
وحينما بدأ الكلام كان يلاحقها بالسؤال عن أبيه وعن مكانه:
-من هو أبي؟ و أين ذهب؟
وكلما كبر زادت الاسئلة وعظم جرحها.
كان يسألها دائما ًعن تلك الهمسات التي يسمعها حينما يمر من جانب مجلس الرجال في بيت خاله سليمان وتلك القصص التي تتحدث عن أبيه.
كانت أم سعد مذعورة وخائفة من أن يقرأ على وجوه الآخرين حقيقة أبيه وما فعله بها.
أصبحت تتحاشى إرساله لبيوت أخوتها حتى لا يسمع النميمة التي تتناثر في ممراتهم فيجرح من شظاياهم.
حاولت أن تكون له الأب الذي يفتقده ففشلت ولجأت للصلاة لتقف على سجادتها كل ليلة تدعو الرب وترجوه أن يمدها بالصبر.
شعرت بالعجز يطوقها ويعتصرها وبين لسعات خذلانها وغضبها فكرت أن تقول لأبنها كل شيء ,لكنها عدلت عن الفكرة.
في سن العاشرة كان سعد ميالا للتمرد و الاستجابة لنزواته بشكل غريب، وكان دائما ما يغيب خارج الحي مع رفاقه مما كان يجعلها تنشغل عليه، وعلى من يصاحب.
كانت تشعر بالذعر وقلة الحيلة أمام خروجه يوميا وتنقله خارج الحي.
وكان يتصارع في داخلها شعور بالخوف من أن ينجرف أثناء خروجه من البيت وينزلق في أعمال مشينة .
لم يكن لسعد أب يحرص على تربيته وتعليمه الرجولة، ولم يكن يكترث لأمره سوى خاله سليمان.فالكل غارق في هموم بيته ومشاكله كبقية الأرواح الهائمة في جنبات الأرض تبحث عن الخلاص.
كم من مرة كان يرجع سعد بملابس ممزقة وتعلو وجهه الكدمات بعد عراك مع الأولاد الذين يصفونه بالمشرد الذي لا أبى له. يأتي البيت وهو يصارع الدموع التي تنهمر أمام عيني أمه وهو يصرخ قائلا:
- الأولاد في الحي يقولون أن أبي رحل ولن يعود.
فتسارع والدته باحتضانه والتربيت على شعره وتقبيل دموعه ثم مسحها بشيلتها السوداء التي تلتف حول رأسها، وتبدأ في تطييب خاطره.
لم تكن تملك سوى الصمت والدعاء على أهلهم ومجالسهم التي تلوك الألسنة فيها أعراض الناس وتنهش لحومهم، ثم في نهاية الحديث يتظاهرون بالغيرة على الآخرين وحب الخير لهم.
كم من مرة فكرت أن تزرع بداخله كراهية أبيه ولكنها لم تستطع أن ترتكب مثل هذا الجرم، وظلت تعده بأنه سيرى والده قريبا.
رغم تعلقها بسعد إلا أنه كان يساورها شعور بأنها ستخسره يوما ما كما خسرت أبيه، وكانت تخاف في كل يوم يخطو خطوة باتجاه الشباب .
لم تكن تبوح بمخاوفها هذه لأحد وظلت غير راغبة بفتح باب صدرها لمخلوق حتى لا يرى ما تسكنه من مخاوف، وفضلت أن تستأثر بمخاوفها لنفسها، وهي تترقب المستقبل وما سيؤول له أمر سعد عندما يصبح في مقتبل العمر، هل سيتركها مثل ما تركها أبوه؟ سؤالاً كان يراودها كثيرا.
وتمر الأيام ويتخرج سعد من الثانوية ويقرر أن يراسل أبيه في أمريكا، بعد أن حصل بشق الأنفس على عنوانه من عمه فهد.
حاولت أن تقنعه بنسيان موضوع أبيه والتركيز على بناء مستقبله، فقد تملكها شعور بأن أبيه لن يرد على رسائله وأنه سيقابل أبنها بالنبذ، وحدث ما كانت تتوقع، فقد كانت رسائل سعد ترجع دون أن تفتح!
-أي قلب تحمل يا صالح.
تنهدت أم سعد وهي تنظر بحزن لحال أبنها الذي بدأ يتولد لديه شعور بأن والده لا يستجيب له ولا يرغب في رؤيته، مما أحدث له حالة من الإحباط واليأس.
ذات ليلة حلمت منيرة ( أم سعد ) بأنها تمشي على رمال متحركة في ليلة مظلمة، وبالقرب من شاطئ مهجور هي وأبنها، و كان الابن ينظر لها بصمت ثم استدار باتجاه الشاطئ، وقفز في الماء وهي تصرخ وترجوه أن يعود، ولكنه تجاهل صرخاتها واستمر في السباحة حتى اختفى عن ناظريها، ولم ينقذها من هذا الكابوس إلا تعالى صوت أذان الفجر.
وفي اليوم التالي روت لجارتها أم مريم قصة حلمها في ليلة البارحة، فقالت لها جارتها أن حلمها لا يبشر بخير وأن سعد يفكر بالسفر بعيدا، وقد يكون سفره قريبا، ففزعت من كلام جارتها العجوز، واستعاذت من الشيطان، وطلبت من ربها أن يحفظ سعد، ونفثت عن شمالها وتعوذت من إبليس وأعوانه ، ثم بصقت عن يمينها على تلك الجارة ، وأسرعت بالخروج من منزل جارتها، ووزعت المال على الأطفال في الحي وعلى المارة لتدفع البلاء عن أبنها.
لم يتوقف سعد عن محاولة مراسلة والده أو يمل من تجاهله له، وكان يرفض الانصياع لأوامر أمه أو نصائح أخواله بتناسي الأب القاسي القلب.
في أحد الأيام دخلت أم سعد مجلس الرجال وهي تحمل القهوة لتجد ابنها يهمس في أذن خاله سليمان ثم توقفا عن الحديث عندما رأياها وهي تدخل.
نظرت باتجاه أخيها وكأنها تطلب تفسيرا لسبب توقفهما عن الكلام، فسعل وتنحنح واعتدل بجلسته قائلا:
- سعد عنده طلب.
نظرت أم سعد باتجاه ابنها متفرسة ملامحه، ثم قالت:
- خير إن شاء الله؟
كانت ملامح سعد جادة، وهو يقترب من والدته ويقبل رأسها ويديها ثم يهمس في أذنها:
- أنا أنوي السفر لأمريكا!
توقفت والدته عن صب القهوة وتجمد الدم في عروقها ودخلت في نوبة طويلة من الوجوم والذهول وأطرقت تفكر:
- موافقة.
وسرعان ما أشرق وجه سعد ولمعت عيناه حينما سمع موافقة والدته وبدأ يقبل رأسها.
أما أم سعد فلم تكن تملك سوى الموافقة، فشعرة فؤادها يتوق لفرد جناحيه والتحليق عاليا، مثل كل الطيور التي تتطلع للأفق البعيد تريد التحليق والاستمتاع بالحرية والمغامرة، وهي لا تستطيع أن تمنعه من التحليق حتى وإن أرادت، فروح صالح تسكن سعد بقوتها وصلابتها.
كانت تنظر له وتستعيد شريط حياتها وعمرها الذي ذهب سدى وهي تحوم حوله تحاول أن تحميه من نوائب الدهر .
هل بدأت مرآة الحياة ببث إشارات بأن العمر قد مر ومضى ويجب أن نتنحى ونفسح المجال أمام طيورنا الصغيرة لتنشر أجنحتها استعداداً للرحيل هكذا فكرت أم سعد وهي تستعد لتحقق الكابوس فقد كانت تعلم في أعماقها أن سعد ليس إلا نسخة عن أبيه
لم يمض ِسوى شهر حتى زف لها موعد رحلته ورفض أن تودعه فقد قرر أن الوداع صعب على كليهما .
وأخيراً صدق كلام الجارة ورحل سعد وصار الحلم حقيقة.
أنتشر الخبر كانتشار النار في الهشيم ليخلق داخل عائلته وتحديدا والدته جرحا غائرا لن يلتئم مع الأيام والشهور وربما السنين.وما أن سمع الأقارب بخبر رحيل سعد حتى توافدوا لمواساة الأم المسكينة.
أمطرت السماء في الليلة التي رحل فيها سعد لأمريكا على المدينة كما لم تمطر من قبل، كانت أمطار غزيرة، تشبه دموع أم سعد المصحوبة بعبرات مؤلمة تجعل من يسمعها ينفطر قلبه من الحزن. سالت الدموع على وجنتي "ام سعد " التي أثقلتها السنين وزحفت عليه وفي ليلة واحدة معالم الشيخوخة تنهش وجهها كشجرة صحراويه هرمة. واشتد على غير العادة عويل الرياح وهي تصرخ في الفضاء الفسيح وكأنها تتعاطف مع مأساة الأم المسكينة ويختلط نشيج بكاء أم سعد بتعاظم نشيج الرياح ويتحدان لتصبح الدنيا تشجوا في أذن الأشياء حزنا على فراق سعد في وحدة وجود لم يسبق لها مثيل. هكذا تخيل لأم سعد أن الدنيا كلها تشاركها أحزانها ومصابها الكبير.
كل شيء تغير في المنزل، وصار كل ركن يوحي بالبكاء والحزن على فراق سعد، كانت تنظر بعد رحيله باتجاه غرفته، فترى سريره ومكتبته الصغيرة، فتحملق بتلك الأرفف تستعيد شريط حياتهما مع بعض بكل تفاصيله وتواريخه. هناك ترى رف للكتب التي كان يقرأها في طفولته ورف لكتب كان يقرأها في مراهقته، ثم تتذكر سلسة حياتها يوم أن ارتبطت بأبيه ثم حملت به ثم طلقها، ثم ولد سعد، ثم قامت على تربيته والاعتناء به، ثم يوم كبر ورحل. يا لها من حياة وما أمرها من معاناة!!
حانت منها فجأة التفاته فرأت صورة سعد موضوعة بجانب سريره الخالي منه، فأمسكت الأم المنكوبة بصورة فلذة كبدها تتأمل من كان رفيقها وزهرة حياتها، وتلثم الصورة حتى خيل إليها أنها تشم رائحة سعد. حاولت التماسك لكن البكاء أندفع بقوة من أعماقها إلى حلقها وعينيها فصار أنينها يتعالى ويصدر من قلب مجروح، وأجفان مرتعشة تأبي أن تنام بانتظار أن يعود حبيبها. كانت تمني النفس برجوع الغائب.
-سعد ...ياشمسي ...هل من لقاء بعد الفراق؟
هكذا صرخت أم سعد وهي تبكي حزنا ثم خرت مغمى عليها.
شعر الجميع بالحزن على تلك الروح المكلومة التي تعاني الألم بصمت وكلما مر يوم ضعفت وذبلت أكثر فأكثر. تناجي الطيور المحلقة في الفضاء الفسيح تهمس لها كل يوم عند المغيب طالبة منها نقل أشواقها لذلك الطائر المهاجر.
وبعد أسبوع رن جرس الهاتف لينساب صوت سعد من الأفق البعيد ليخبرها بلقائه مع أبيه و مع سيل من الوعود بقرب الرجوع.
أصبحت قصة أم سعد وابنها مائدة دسمة على موائد النساء في مجالس الحي، كانت النسوة يشفقن عليها ويتمتمن بأدعية أن تجد روح تلك المرأة الحزينة السكينة أو أن تنمو لها أجنحة سحريه تأخذها حيث يعيش أبنها.
بعد رحيل سعد شعرت والدته بالوحدة و تقوض العالم من حولها وطوقتها الوحشة.
تطوف كل ليلة في أركان البيت وهي تتخيل من حملته وهو كتلة رخوه على كتفها ومن كان يختبأ بين طيات ملابسها، وهي تذهب في رحلتها اليومية لبيت أخوتها، وفي النهاية يشتد عوده وتتكون له اجنحه ويمتلئ ريشا فيتركها ويحلق بعيدا عنها ويرحل إلى أبيه.
وهكذا تولد لدي المسكينة أحساس بأنها تهوي إلى الورى دون أن يتلقفها احد، فليس لها من أبن تستند إليه في كبرها.
أصبحت أم سعد تقضي أيامها متبتلة، تلف رداء الصلاة حول جسدها المثقل بالأحزان، تصلي لله طوال الليل حتى طلوع الفجر، وتسبح في ملكوته وتطوف مع المتضرعين في كل ليلة، متأملة معاناة البشر ثملة في أطول رحلة إيمانية.،ولم يكن يؤنس وحدتها في تلك الرحلة سوى ذلك الصندوق الذي يحوي بقايا من ما تركه فلذة كبدها ورائه من ملبس أو لعبة أو قلم أو دفتر أو كتاب.
تنظر له كل يوم بلهفة وهي تدعو الله أن يعود لها أو أن يحمل طائر عابر على جناحيه لهفة شوقها وقصة دموعها له عل قلبه يلين.
كبرت أم سعد وهي تنتظر عودة الحبيب، ولم يعد بعد.
هل سيعود؟
الله أعلم..!
- بقلم: د.نوف علي المطيري
- D.nooof@gmail.com
قصه جميله استمتعت بالقرائه
ردحذفرائعة هي القصة ,,,
ردحذففالزمن يكرر نفسه دائماً ولكن بأسباب و أشخاص مختلفة...
ممتعه حقاً