الزفاف الملكي.. وعمرٌ من العسل

الأستاذ أحمد إبراهيم

أتعرفون من غيّر إسم الحسناء البريطانية تلك التي مرّت يوم الجُمعة ما بين كنيسة ويستمنستر وقصر باكنغهام.؟ فلم تعد الآنسة (كيت ميدلتون) التي خرجت من تلك الكنيسة هى ذاتها التي دخلتها بعد ان أعلن رئيس أساقفة كاتنريري "القس روان ويليامز" للأمير وليام ولتلك الفتاة، بموجب السلطة المخولة اليه أنّ "وليام وكيت أصبحا زوجا وزوجة".
 
 
الآنسة كيت ميدلتون وهى من عامة الشعب، دقائق قبل ان تصبح أميرة وزوجة للأمير وليام الثاني في ترتيب خلافة العرش الملكي البريطاني، كانت قد ترجّلت امام قُرب مليارى مشاهد من العالم عبر التلفاز من سيارة رولزرويس بفستان العرس الذي ظلّ وحتى لحظتها سرّا من أسرار بريطانيا العُظمى، الآنسة كيت هى ذاتها الأميرة وقّعت وهى بنفس الفستان على سجلّ زواج القرن، دون ان تقلّب صفحات ذلك السجلّ .. كنت أراها الأميرة الضاحكة والمستبشرة بابتسامتها العريضة، فأشعر بها وكأنها الوحيدة المتفائلة بين وجوه لم تبتسم كثيرا ممن قلّبوا صفحات ذلك السجل ولو في مخيّلتهم.
 
 
وكأنّي بالأميرة كيت ترى الدنيا ببياض يرونها الآخرون سوادا، وتراها الحُلم وهم يرونه الكابوس، تراها الورد الجميل ويرونه أشواكا .. الفرق بينها وبينهم، انها ترى الأشجار وهم يرون خلفها القمامة والنفايات التي تخفيها الأشجار، ترى ناطحات السحاب وهم يرون خلفها الحُفر والأنفاق المظلمة، كيت كانت ضائعة بين الابتسامات الجميلة والضحكات الحلوة فلا ترى الوجوه العابسة، لكنها وهم يعيشون معا في نفس الدنيا، وكل الفرق بينها وبينهم انها كانت تنظر للأمام وهم ينظرون للوراء، هى تريد ان تبني دنيا جميلة من زهور الحدائق، وهم ينظرون الى القبور فيتذكرون من في القبور.
 
 
أسترجع ذاكرتي للوراء ثلاثين عاما، اقلّب صفحات السجل على يوم 29 يوليو 1981، ولم اكن يومذاك متزوجا فكنت توّاقا لرؤية أشهر واضخم زواج في العالم، لأتزوج من فتاة جامعية كانت في سنته الأولى بكلية العلوم عندما مرّ موكب الأمير تشارلز مع الليدي ديانا في شوارع لندن، ذلك الزواج الذي سُخّرت له قبل موعده بسنين الأبواق والأعلام والأقلام، فكانت تنشر يوميات الليدي ديانا وخصوصياتها المسموحة (واللامسموحة لاحقا): ماذا تأكل وتشرب، اين تدرس واين تجلس، اين تنام واين تمضي عطلاتها، وأخيرا انطلق الموكب الموعود في ذلك اليوم بالأمير تشارلز والليدي ديانا امام مشاهدين كان عددهم اقل بكثير من مشاهدي اليوم، لعله لقلة الفضائيات وايضا الشبكة العنكبوتية لم تكن وُلدت بعد، كلما رأيت الموكب يمشي قدما، كنت أخاطبهما مردّدا: "شهر العسل قليلٌ عليكما، أنتما في الطريق إلى عمر من العسل"، لكن وعادت نفس القنوات الإعلامية المسخّرة لهما، تنشر عنهما قصص وأساطير أفشل زواج في التاريخ.!
 
 
زواجٌ تاريخىٌّ سلسٌ أعاد نفسه بعد ثلاثة عقود، ذاكرتي تستنطقني اليوم ولعل معي من شاهد الزواجين، أن الزفاف الملكي البريطاني بكل هذا الضجيج لم يضمن بمجرد البذخ والبهرجة ممرّا آمنا  الى عمر من العسل، لو كان قيس العرب التقى بليلاه العراقية بسلاسة، وروميو الإفرنج بجيوليته البريطانية سلسا، وكذلك لو كانت شيرين العجم التقت بفرهاده الفارسي بسلاسة، لما أنجب التاريخ لنا شكسبير وخيّام وأحمد رامي، ولاعبدالوهاب وعبدالحليم، تماما كما لو إلتقيا أم كلثوم وأحمد رامي ببذخ وبهرجة، لما كانت المكتبات العربية اليوم مزادنة بدواوين أحمد رامي ولا مقاهينا من قاهرة الى دمشق تضجّ بترانيمها.
 
 
زواجٌ يقود العرسان الى عمر من العسل، هو ذلك الذي يجعل المرأة تشعر بعد الزواج انها تملك العالم ليس لانها زوجة أشهر رجل في العالم، وإنما ايضا لانها المرأة الوحيدة في حياته، فلا تزاحمه على قلبه سكرتيرته الحسناء ولا صديقته الشقراء، كما وان الحياة الأوروبية التي كانت تقبل المرأة تحكمها غرامة وسياسة، وان ظلت زوجة رجل من عامة الشعب، أصبحت نفس أوروبا تسمع أكثر لتلك المرأة من عامة الشعب وإن كان بجوارها العرش لغيرها والتاج على رأس غيرها، فكما تقبّلوا الرجل العادي الأمير حبيب أميرا صامتا جنب زوجته الملكة إليزابيت، وكما تقبّلوا دانيا وكاميلا وهما من عامة الشعب بجوار الأمير تشارلز، وعلى الطريق نفسه تقبّلوا اليوم من عامة الشعب الأميرة كيت ميدلتون وقد إعتلت لتجاور وريث عرش بريطانيا.
 
 
الكثير ممن لم يعيشوا طويلا فماشهدوا المرأة التي كانت تحكم قلوب الرجال هى ذاتها باتت تحكم ايضا البلاد، بدءا من المرأة الحديدية مارجريت تاتشر التي حكمت بريطانيا، وأيفيا بيرون التي حكمت الأرجنتين، وجولدا مائير التي حكمت إسرائيل، وأنديرا غاندي التي حكمت الهند، والمدام ماوتسي تونغ التي كانت تحكم مليار بشر من وراء لستار، ومدام أكينو التي حكمت فلبين، وبندرانايكا التي حكمت سريلانكا، وأخيرا بنازير بوتو ومدام حسينة وخالدة ضياء اللاتي  حكمن باكستان وبنغلاديش على فترت متقاطعة وهن زوجات وامهات وحاكمات في آن واحد.
 
ألا يعني ذلك ان المرأة التي تريد ان تعيش عمرا من العسل لا تريد اعتلاء العروش قدرما تريد الوصول الى قلب الرجل، فإن أعتلت قلبه وشعرت انه مملكتها الوحيدة، وانها الملكة الوحيدة في حياته فلن تزاحمها عليه ملكات النحل، هنا فقط تؤمن المرأة بان الزواج هو العرش وهو الحكم وانه ليس الطريق الى شهر العسل وحسب، بل كان الزواج عمر من العسل.

النهاية

للمزيد من مقالات الكاتب

8 تعليقات

  1. مقال شيق وممتع وجميل .. شكراً جزيلاً للكاتب الرائع على هذا الإبداع مع حبي وتقديري

    ردحذف
  2. لك جزيل الشكر والتقدير على هذا المقال الجيد والشيق..

    ردحذف
  3. رجااااااااء04 مايو, 2011 15:36

    مقال ممتع كما تعودنا استاذنا العزيز

    ردحذف
  4. الأستاذ العزيز / عادل كرم شكراً جزيلاً للتعليق والتواجد في مساحتنا مع خالص التحية

    ردحذف
  5. رائع دائما فخطوط كلماتك..

    ردحذف
  6. رائع دائما فخطوط كلماتك..

    ردحذف
  7. رائع دائما فخطوط كلماتك..

    ردحذف
  8. الصراحة أستاذ سبقتني في كتابة المكقال وأبدعت في سردك وأسلوبك تحيتي لك وشكري واتقديري لشخصك
    أختك الأديبة
    نور ضياء الهاشمي السامرائي

    ردحذف
أحدث أقدم