الحروب لم تجلب للشعوب غير الجوع والموت، ألمانيا واليابان عندما طلّقتا الحروب ثلاثة، وتبنّتا الديمقراطية، عرفتا الرفاهية والرخاء، لأن هتلر وموسوليني كانا ينتصران على صفحات الجرائد وعبر الهواء في الإذاعات ونداءات اللاسلكي، وجنودهما يُقتلون في الميدان أو يستسلمون على الحدود
خسرت اليوم يبوحسين وكنت قد فزت بالأمس يا أوباما، فتلك كانت عزلة طوعية لمترصديك، وهذه اليوم إستراتيجية إجبارية من مترصديك .. واللغز لأحلّه ويفهمني القارئ الكريم، عليّ أن أكشف له سرا:
"لي صديق عزيز يقيم في دبي منذ سنين، عربيّ وصادق في آن واحد، وبعلاقة غير مباشرة مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما، كان قد تخرّج ضمن دفعته ومن نفس الجامعة، فهو يرفع الهاتف ويتحدث مباشرة مع أصدقاء أوباما الذين لازالوا في أمريكا، وبينهم رجالٌ على تواصل مباشر بأوباما، يهاتفونه يسايرونه ويسامرونه، وكما أن لباراك أوباما أصدقاؤه الطبيعيون كرئيس الولايات المتحدة الأمريكية، كذلك من الطبيعي جدا كمواطن أمريكي له أصدقاؤه الرومانسيون.
وكنت قد أرسلت عبر صاحبنا رسالة شفوية لأوباما قبيل فوزه فى الانتخابات الرئيسية "إن كان وقتك يسمح ياسيناتور، ترجم واقرأ مقالا لي بعنوان (أوباما والتغيير في البيت الأبيض) نشرتها في حينها إحدى الصحف المحلية الرائدة وأعتقد أنها لازالت تحتفظ به على موقعها الإلكتروني، وأنا محتفظ كذلك بنسخته الورقية والرقمية في الأرشيف.
وحاولت في المقال أن أهمس في أذنى ابن الحسين أوباما، وهو في طريقه إلى البيت الأبيض مكتسحا الفوز تلو الفوز، وقبيل دخول الرجل الأسود البيت الأبيض أرسلت له هذه الذبذبات غير المشفّرة: "يبوحسين، يبدو لي إن فوز الكامل لخطّك، ما هو الا تحصيل حاصل للعزلة الطوعية غير الكاملة للخط الآخر للترئيس والتوريث، ليدخلوك البيت الأبيض ثم ليخرجوك منه، وليورّثوك مخلفات جورج بوش ثم ليحاسبوك عليها.!
واليوم أعيد همستي للسيناتور باراك أوباما عبر منبر (الشبيبة) أن خسارتك الكاسحة أمام الجمهوريين، ما هي إلا إستراتيجية الرد على تحريك العجلة ذاتها، التي كانت قد جُمّدت ضمن خطة العُزلة الطوعية الى اليوم المناسب، لإحلال اللون المناسب باللون الأنسب، محمّلا إياه أعباء كل الألوان التي سبقته.
وكما كنت بالأمس وبُعيد الفوز زرت إسرائيل قبل العرب، ووعدت العرب أكثر من إسرائيل، وزودت تل أبيب أكثر من فلسطين، كذلك اليوم وبعيد الخسارة شوهدت طائرتك نحو الهند قبل جارتها باكستان، حيث بعد الإعلان عن خسارة الديمقراطيين أمام الجمهوريين وإقرارك بالفشل أمام الأمريكيين، كنت تحملق فوق رؤوس الباكستانيين نحو الهند في زيارة تستغرق ثلاثة أيام ونصف، لتؤكد تخمينات وتوقعات لعقود هندية أمريكية ضخمة، كما صرح به مايك فرومان نائب مستشار الأمن القومي الامريكي للشؤون الاقتصادية الدولية للصحفيين المسافرين معك في المطار.
وبما أن الاقتصاد مشكلة أمريكا اليوم وهي مشكلتك مع الأمريكان، وإن كنت ورثتها من بوش الذي جلب الخسائر المادية والبشرية للشعب الأمريكي من خلال حربين شرسين العراقية الأمريكية والأفغانية الأمريكية، لا أدري لماذا أنت تلجأ من جديد إلى إصلاح الخطأ بالخطأ، لأن المفهوم من الصفقة الأمريكية الهندية المتوقعة هي نفس المبرمة بين الطرفين عبر مسودات عقود بمليارات الدولارات لإصلاح القوات المسلحة الهندية وتحويل أسلحتها من الروسية الى الأمريكية، ومن المزمع ان تشمل هذه العقود صفقة قيمتها 11 مليار دولار لشراء 126 طائرة مقاتلة يمكن أن تفيد شركتي بوينج ولوكهيد مارتن، وتتنافس أيضا على الصفقة داسو الفرنسية وميج 35 الروسية وساب السويدية ويوروفايتر تايفون.
الباكستانيون اعتبروها رحلة إهانة لاختيارك زيارة الهند دون باكستان أو قبل باكستان، باعتبار ان باكستان أعطتك الكثير، وهذا صحيح لأنها ضحّت من أجلك بالغالي وبالنفيس، وبمناطقها القبلية بقبائلها وبجثث المصلين في مساجدها، وبصورة مباشرة وغير مباشرة أيضا اضحت بجارتيها أفغانستان وإيران، ورغم ذلك أبقت امريكا على شعار تعاونها النووي الإستراتيجي مع الهند دون باكستان باعتبار ان الهند شريك إستراتيجي وباكستان شريك طبيعي.
سيدي أمستشاريك لم يخبروك أن أزمتنا اقتصادية ولا يمكن حلها بالحروب والتسليح؟ بل إن الحروب هي التي جلبت هذه الكارثة الاقتصادية عالميا وعربيا وإقليميا، فلا يمكن معالجة الداء بالدواء التي هي الداء.
أو أننا نفترض أن زيارتك للهند ليست ودية ولا تسليحية، وإنما كيدية في وجه قوة الصين النامية في وجه أمريكا، خاصة لو أنها التحقت بالهند، وكونت آسيا المليارية العظمى.
مهما كانت المبررات، فأنت فتحتَ على نفسك مدفعا آخر بجوار ملف القدس، حيث مسألة كشمير المعلقة منذ 63 سنة، قد تطالبك باكستان ثمنا لسنوات تسعها العجاف على حدودها الأفغانية، وقد تخرج لك يدها الخفية إلى العلن بين الجهاديين الإسلاميين بكشمير إن لم تحصل تأييدا صريحا لقضية كشمير، ولم تحصل على المعونة العسكرية والمالية بالحجم التي قد تحصل عليها عدوتها اللدودة الهند؟
فمن اين يأتي العلاج لأزمتك الاقتصادية، إذا دفعت الدول الآسيوية المجاورة لبعضها بنيران العداء العرقي والتاريخي، وأعطيت الحروب الخامدة الزيت على النار بالسلاح والعتاد، من حيث باكستان تدّعي انها دولة نووية؟ والهند تدّعي تقدمها النووي على باكستان؟ والصين تهدد إمكانية استخدامها الفعلي للسلاح النووي؟
ويقول الباكستانيون إن أوباما اهتم بكشمير قبل الانتخابات، لكن هناك قوة ما أغلقت فمه بعد الفوز، ونقول نحن العرب، إن أوباما كان قد اهتم بقضية فلسطين قبل الانتخابات، وقوة ما أغلقت فمه بعد الفوز، يا ترى ما هي القوة الجديدة التي أغرتك لهذه الرحلة السريعة الى الهند، لعلها كانت استجابة لدعوة نظيرك الهندي موهن سينج إبان زيارته الأخيرة للولايات المتحدة، أو مجاملة للاستثمارات الهندية في أمريكا التي تتجاوز (44 مليار دولار استثمارات مشركة)، أو لأن الهند وصلت عالميا في المرتبة 14 مع أمريكا في علاقاتها الاقتصادية، أو قد تنافسها تقنيا في المستقبل؟
هذه الحوافز لو اعتبرناها هي التي منحت البيت الأبيض تلك القوة، قوة دفع الهند للأمام ودفع باكستان للوراء، فماذا لو قدمنا نحن العرب الى المستشار الاقتصادي بالبيت الأبيض إحصائيات بالاستثمارات العربية في الولايات المتحدة وحجم تبادلها التجاري والزراعي والخدمي، جغرافيا على امتداد 22 دولة عربية، وتاريخيا على مدى 60 سنة وبيننا على الطاولة ملف القدس المشترك؟
سيدي السنياتور باراك أوباما، أنت من الديمقراطيين وشعارك ديمقراطية، والكشمير كما تبحث عن ديمقراطية في الهند، كذلك الشعب الفلسطيني المظلوم يبحث عن ديمقراطية في القدس المحتلة بعد أن عرف الذل والهوان، وكابد القسوة والقيود والأغلال، ويريد الآن ديمقراطية حقيقية في ظل حقوق الإنسان لبلاد يتقدم تقدما حقيقيا عبر خارطة تدلّ ولاتضلّل الطريق. أخشاك في الهند أن تلقي خطابا لا يختلف عن الذي ألقيته في جامعة القاهرة، والحقيقة ان الخطاب بكلمات ناعمة لن تخفي العتاد والمزيد من التسليح، ليس بخطاب اكثر مما هو طبول حرب!
الحروب لم تجلب للشعوب غير الجوع والموت، ألمانيا واليابان عندما طلّقتا الحروب ثلاثة، وتبنّتا الديمقراطية، عرفتا الرفاهية والرخاء، لأن هتلر وموسوليني كانا ينتصران على صفحات الجرائد وعبر الهواء في الإذاعات ونداءات اللاسلكي، وجنودهما يُقتلون في الميدان او يستسلمون على الحدود، ولا زالت التسجيلات محتفظة في المتاحف بنبرات موسوليني وهو يجلجل بصوته أن انتصاره بات قريبا جدا، وفي اليوم الثاني علقوه الإيطاليون على الجدار، كما هو هتلر كان يجلجل بصوته عبر المذياع والتلفاز في الطابق العلوي أنه قريب السيطرة على كل العالم، وجنود الروس كانوا قد احتلوا الطابق السفلي.! لا أعتقد ان باراك أوباما سيلقي خطابا من نفس النوع في الهند، ولا يعيدها من جامعة القاهرة إن عاد إليها، إن كان بالفعل يبحث عن حل اقتصادي عالمي، إذ الاقتصاد ينمو ويزدهر سلميا من أرض السلام عبرالمزارع والمصانع لا من الفضاء بالطائرات والصواريخ.
- بقلم: أحمد ابراهيم (كاتب إماراتي)
- نشر في صحيفة الشبيبة 11/8/2010
هذا المقال على سبيل الإهداء من الكاتب نفسه مع الشكر!.
سيدي السنياتور باراك أوباما، أنت من الديمقراطيين وشعارك ديمقراطية، والكشمير كما تبحث عن ديمقراطية في الهند، كذلك الشعب الفلسطيني المظلوم يبحث عن ديمقراطية في القدس المحتلة بعد أن عرف الذل والهوان، وكابد القسوة والقيود والأغلال، ويريد الآن ديمقراطية حقيقية في ظل حقوق الإنسان لبلاد يتقدم تقدما حقيقيا عبر خارطة تدلّ ولاتضلّل الطريق. أخشاك في الهند أن تلقي خطابا لا يختلف عن الذي ألقيته في جامعة القاهرة، والحقيقة ان الخطاب بكلمات ناعمة لن تخفي العتاد والمزيد من التسليح، ليس بخطاب اكثر مما هو طبول حرب!
ردحذفشكراً لروعتك وشجاعة طرحك
الحروب لا تجلب سوى الدمار تحية للكاتب الرائع
ردحذفمقــــــــــــــــــــــــــــال للاقتناء والحفظ
ردحذفالحق احق ان يتبع
ردحذفكل عام وانتم بخير جميعا كاتب رااااااااااااااااائع
ردحذف