كأنه!! .. بقلم سامية أبو زيد

نشرت بواسطة : Fahad Fawaz  |  في  الثلاثاء, سبتمبر 27, 2016


يرقد تحت التراب حيث منازله، وكأن التراب لم يفارقه. طال رقاده ولم يفارق مهجعه إلا للضرورات البيولوجية. كلما هم بالقيام نكص عنه. تدور برأسه الأفكار براقة نيرة فيفتش عن الهمة لتنفيذها فلا يجدها. يستعيذ من الخمول والكسل في تمتمات يحفظها وهو يميل برأسه نحو الوسادة، وقبل أن يفرغ منها يكون قد سحب دثاره فوق رأسه حاجبا النور عن عينيه الناعستين.
في صباه لم يكن يحصل أكثر من ثلاثة أرباع المنهج الدراسي لعلمه بل يقينه بأنه لن ينهي الامتحانات، فما جدوى الاستذكار والحفظ ثم الإحباط لعدم تمكنه من الانتهاء من الامتحان رغم معرفته كل الإجابات!؟
حتى في فترة دراسته الجامعية لا يذكر أنه لحق المحاضرة الأولى في أية سنة من سنواتها الأربع، ولا يدري كيف أنهاها.
يتنقل بين الوظائف بدعوى البحث عن طاقاته المطمورة غير معترف بأنه دفنها منذ أمد بعيد تحت لحافه.
لم يعد يسمع له غطيط بعد أن علاه التراب والعنكبوت واستغرق في أحلام لا يفيق منها.
كانت أحلامه سعيدة مغرية بالاسترسال فيها، وكلما ازداد الحلم بهجة ازداد قلبه وحشة وحزنا.
يصارع نفسه ويتمنى القيام لتحقيقها فتعجزه أطرافه التي تيبست لقلة حركته وأكوام التراب والذكريات التي تثقله، فيبتهل إلى الخالق أن ينعم عليه بكابوس يجبره على الاستفاقة. أن يرسل له شبحا يقيله، أن ينعم عليه بمارلي ينتشله مما هو فيه. ثم يحتال على نفسه ويستغرق في المزيد من الرقاد مؤملا إياها أنه بانتظار زيارة مارلي كي ينقذه كما أنقذ العجوز البخيل في ترنيمة الميلاد، ويرهف السمع لعل السلاسل تصلصل فتوقظه. لكنها كانت تلتف وتحكم وثاقها حوله فتربطه بفراشه أكثر وأكثر.
لم يشعر به أحد ولم يدر متى انتهى الأمر. 
ما كل هذا التراب؟ آلآن أبغي القيام!؟ ما كل هذا التيبس؟ وما هذه الأردية الغريبة ولم تلتف حولي هكذا؟ ما هذه الظلمة؟ هل انقطعت الكهرباء؟ وما تلك الدويبات التي تسعى نحوي؟ ما هذا الانتفاخ؟ كم هو مؤلم!
يا إلهي، إنني أتحلل!! الخلايا تتحلل. إنها تفارقني، الخلية تلو الخلية، تفارقني وكأنها أظفاري تنتزع مني ولا أملك الصراخ. الألم يستمر ولا ينتهي بانفصال الخلايا، كل جزيء وكل ذرة تنطلق من تحلل الخلايا صرخات بلا صوت وأوجاع سرمدية.
هاهنا يرقد بعد أن فرت من خموله خلايا جسده وفرت منها جزيئاتها وذراتها منهية كل صلة لها به. فرت الجزيئات غير آسفة غير آبهة بصرخاته التي عجز عن إطلاقها، فكأنها لم تكن منه وكأنه لم يعش.

سامية أبو زيد
31 يوليو 2014

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة

back to top