كنت واثقاً و متأكداً من إني قتلته! كانت ضربتي قوية و محكمة! و اعتقدت أن روحه قد زهقت بعد أن كف عن الحراك، و كانت أنفاسي متلاحقة و أعصابي كلها أشد من الحديد، لذلك أجبت لما سألتني عما فعلت به بأنه:
- مات!
و لما دخلت هي الحمام بعدي فاجأتني بسؤال غريب بعض الشيء:
- أين الجثة!
و طبعاً رحت لتوي مرة أخرى لساحة الجريمة لكن الجثة بالفعل لم تكن هناك! لكني قلت:
- لقد قتلته لتوي!
لكنها نظرت لي نظرة ذات معنى و قالت:
- لن يحتويني بيت فيه فأر و لو لساعة واحدة!
و طبعاً راحت لغرفة النوم و جمعت ملابسها في حقيبة و انتوت الرحيل، و عن نفسي حاولت أن أقنعها بأنه أقر و اعترف بهزيمته و انسحب إلى حيث أتى، حاولت أن أبحث عنه ثانية لكن لا أثر! و المشكلة أنها قررت، و لو تدخلت أنا في قرارها زيادة عن اللزوم لفقدت ما تبقى لها من صبر، و بصراحة ليس لدي رغبة أنا الآخر في أن أقضي سهرتي في بيتي مع فأر! و أردت أن أروح معها بحجة ألا تروح وحدها لكنها قالت:
- لن أعود إلا بعد أن تقتله و أرى جثته بعيني!
و راحت! و بعد هدوء ضجيج المحاولة الفاشلة لقتل الفأر و زوبعة رحيل زوجتي، سمعت صوت باب الغرفة المجاورة ينغلق مع إحكام أسفله بوسادة تمنع دخول النمل نفسه و ليس مجرد فأر، و كانت هذه فعلة ابنتي العزيزة، كنت أظنها عوني في هذا الليل الطويل، ماذا لو عرضت عليها شيئاً من المال يتسنى لها معه شراء كل مجلاتها المفضلة متضمناً مصاريف فتاة جامعية لأسبوع بأكمله في مقابل أن تقتل هي الفأر؟ لكن المشكلة أن البنت لا تكتم أسرار أبيها، خاصة عن أمها، لكن من الممكن أن أستعين بها بشكل أو بآخر، لكن إغلاقها للباب بتلك الطريقة يمنع دخولي أنا شخصياً، و لذلك خاطبتها من وراء الباب:
- و ما العمل؟ كيف نخرج الفأر من مخبأه؟ و كيف نتأكد أنه هنا أصلاً؟
- السؤال هو لماذا نخرج الفأر من مخبأه و لماذا نتأكد أنه هنا أصلاً؟
هذا جزاء من يلحق ابنته بكلية الآداب بقسم الفلسفة... المهم.. حاولت أن أرد بشكل حضاري متزن:
- بل لماذا أغلقت عليك الباب إذن يا حلوة؟
لكن لا رد.. جبانة كأمها.. أو كأبيها لست أدري، و يبدو أني سأواجه المأساة وحدي، لكن لا بأس، تسلحت بعدها على قدر المستطاع و دخلت الحمام مرة أخرى، لا بد و أن تعود زوجتي الليلة، لن أسمح لأي فأر أياً كان طول ذيله بأن يكدر علي صفو عيشي، بيد لأحتفلن اليوم بعد قتله و لأعلقن رأسه على باب البيت بعد شواءه! لكنه ليس وراء الباب! و لا في الزوايا الصعبة التي فشل النور في اختلالها، إذن لا بد أنه خلف المرحاض... لا بد! لكني وجدته صريعاً! أتراها مراوغة أخرى؟ هل أضربه مرة أخرى و كلي هستيريا و صراخ إلى أن يتناثر دمه في كل أرجاء المكان كما يحدث في الروايات الدموية؟ لكنه يبدو ميتاً! و بناءً على المذكور أعلاه أجريت مكالمة هاتفية متعلقة بمصير الأسرة، و أعلنت فيها نبأ وفاة الفأر و إنهاء حالة الحرب، و كنت متأكداً من إني قتلته! كانت ضربتي قوية و محكمة! و اعتقدت أن روحه قد زهقت بعد أن كف عن الحراك.
- سلامة عبد السلام
5/5/2011