كنت أسافر في قطار. كان ليلاً. وعربات تهتز وتتأرجح. كنت أشعر بتعب خفيف. لكن رغبة في القراءة داهمتني. كان ثمة ضوء باهت ينبعث -لست أدري- من أين. تناولت كتاباً. كان لإدغار ألن بو قرأت جملتين أو صفحتين أو قصتين لم أعد أذكر بالضبط. ثم هاجمني النعاس فجأة. فغفوت ثوان معدودات ثم صحوت فزعاً. حدقت حولي. كانت العربة خالية إلا مني. نهضت بحركة مفاجئة. ثم طفقت أنتقل من عربة إلى أخرى. القطار خال تماماً. وما زال صوته يهدر وعرباته تتأرجح. عندها قررت التوجه نحو السائق، دخلت مقصورته وسألته وأنفاسي تتهدج:
- إلى أين يذهب هذا القطار؟
رد دون أن يلتفت نحوي:
- لست أدري بالضبط.
يا للفظاعة. أصبت بفزع ورعب. صرخت:
- ولكن من أين يأتي؟!..
رد بهدوء مطلق ودون أن يلتفت نحوي:
لست أدري.
شعرت بأن الليل غدا مثل زنجي ينتزع من قارته ثم يقاد إلى السخرة في عالم غريب ومجهول. وأن الضوء الباهت المنبعث من مكان ما مسلط نحو نقطة معينة تماماً كما يحدث في المسرح. خلت نفسي تغرق في الفوضى. سألت الرجل:
- ولكن ألا يوجد مسافرون غيري؟!..
عندها التفت الرجل نحوي. رسم ابتسامة كئيبة ثم قال:
- هذا القطار مخصص لك أنت بالذات.
لم أفهم شيئا مما يعنيه هذا الرجل. كان يبدو قوياً. مفتول العضلات. وكان وسيماً. بل خلته يشبهني. وقد أثار هذا الشعور ضحكي. لكن الرجل لم يترك لي مجالاً للتفكير أو التأمل فقد التفت مجدداً نحوي وقال:
- هاقد وصلنا. هذه هي نهاية السكة الحديدية. وأنت تعلم أن القطار لا يمشي إلا على سكة حديدية. يجب أن تنزل. إخال أني أرى مدينة.
ترجلت من القطار وأنا حائر القلب والعقل. كنت أحمل حقيبة فيها بعض الكتب وبعض السندويشات. لابد أن أمي قد دستها في الحقيبة. كان الليل ما زال يغطي الأشياء. ولكني خلته أبيض على غير عادته. ثم لاحظت أن القطار عاد أدراجه. مشيت بضع خطوات فإذ بي أرى مدينة. كانت الأضواء تشع منها بابتهاج. شعرت براحة نسبية. لكن القلق سفينة تاهت بين أمواج قلبي. دخلت المدينة بخطو واثق وثابت. لكني أصبت برعب مفاجئ.
المدينة خاوية. هذا ما خيّل إلي. الشوارع كانت خالية ومملوءة بالقمامة. لا صوت ولا نأمة فجأة شاهدت كلباً يعبث بالقمامة. هدأت رؤية الكلب من روعي قليلاً. قلت في سري. لعلي وصلت في ساعة غير مناسبة. اقتربت من الكلب. كان أجرب ومثيراً للقرف. لكنه ما إن أبصرني حتى توقف عن العبث بالقمامة. وحدق نحوي باستفهام ثم قال:
- أنت وصلت هنا؟!..
أجبت:
- نعم.
ثم سألته:
- ما هذه المدينة؟!..
رد باسماً:
- إنها مدينة. مدينة وحسب.
سألته بإلحاح:
- هل توجد مدن أخرى غيرها في هذا العالم؟
رد بعد تفكير قصير:
- حسب علمي لا يوجد سوى هذه المدينة.
كررت بلهجة متشكية:
- لكنها تبدو خاوية!..
قال:
- إنها ليست خاوية.
سألت بإلحاح:
- ولكن أين سكانها؟!..
أجاب بأسى:
- إنهم نيام.
كررت:
- كل سكان المدينة نيام؟!..
اعتدل الكلب في جلسته. ثم قال بصوت فيه بحة وحشرجة وأسى:
- منذ قرون طويلة وهم نيام. أدخل كل البيوت. كل المقاهي والخانات. لن تجد إلا بشراً يغطون في نوم عميق. وشخيرهم العالي يدل على أنهم أحياء.
قلت:
- هذا غريب.
رد الكلب:
- لقد عاث سكان هذه المدينة فساداً في الأرض. الظاهر أن الله لعنهم وجعلهم يغطون في هذا السبات العميق. هكذا إلى الأبد.
قلت هذا الكلب كذاب وداهية. وهمت في المدينة فلم أجد في البيوت سوى أناس نيام. هززتهم بيدي فلم يستيقظوا. دخلت المقاهي والمسارح ودور ألعاب الأطفال، وكنت أهز الناس بيدي علهم يستيقظون. ولكن لا أمل. عدت ثانية إلى الكلب. قال:
- هل صدقتني؟
لم أجب ولكني تساءلت:
- وأنت!!..
أجاب بكآبة:
- أنا الوحيد الذي بقي يقظاً من كل سكان المدينة.
سألته:
- وماذا تفعل هنا؟! ثم ما كل هذه القمامة؟!..
قال:
- إني جائع. وأبحث في القمامة عن بقايا الأطعمة. لم يعد ثمة أكل أو شرب في المدينة لقد أكل السكان كل شيء قبل أن يناموا. وكدسوا أكوام القمامة في الشوارع لا يوجد في هذه المدينة سوى القمامة.
قلت:
- أحمل في حقيبتي بعض السندويشات. هل ترغب بمشاركتي العشاء؟!..
رد بابتهاج:
- أجل. أجل.
جلسنا على قارعة الطريق. كان الليل مازال داكناً. وكان الصمت يلف أرجاء العالم. ثم جعلنا نتناول طعامنا بنهم ولذة. قلت للكلب فجأة:
- هل ترغب في أن تصبح صديقي؟!..
رد وهو منهمك في الأكل:
- لا مفر من ذلك.
التهمنا كل السندويشات. ولم يبق شيء منها يؤكل. سألته:
- أين سننام؟!..
قال:
- أعرف داراً مهجورة كانت فيما مضى دار بغاء. وهي مؤثثة بشكل جيد. يمكننا أن نأوي إليها. لا ترهبك منظر العناكب فهي غير مؤذية. أما الغبار فيمكن تنظيفه. هذا بسيط.
ثم مضينا نحو دار البغاء تلك. وهناك تمددنا كل منا على أريكة. وسرعان ما غط الكلب في النوم. أما أنا فظللت ساهراً بعض الوقت أفكر. قلت في سري أني لا أفهم شيئاً مما يحدث أو مما حدث. ثم تساءلت ما هذه التمثيلية ومن هو المخرج؟!... وكيف ستنتهي؟!.. ثم ما لبث أن نال التعب مني فغفوت. نمنا ساعات طويلة. ربما أياماً أو شهوراً بل ربما سنين. وحين صحونا من نومنا كان الوقت ليلاً. تمطى الكلب. أما أنا فقمت ببعض الحركات الرياضية. قال الكلب:
- أنا جائع.
رددت:
- وأنا أيضاً. ماذا نفعل؟ لم يعد ثمة سندويشات!.
ضحك الكلب وهو يردد:
- القمامة. القمامة.
ثم ركض نحو الشارع. وتبعته ذاهلاً.
جعلنا نفتش في القمامة. هذه بقايا خبز. بقايا علب سردين. قشور فواكه وخضار التهمنا كل شيء وجدناه. ولكن كل منا أخبر الآخر بأنه لم يشبع.
عندها سمعنا صوت القطار يدوي عالياً. أرهفنا السمع. ثم جلسنا على قارعة الطريق ننتظر صمت القطار برهة ثم عاد يطلق صفيراً حاداً.
قلت:
- لا بد أن زائراً جديداً جاءنا!..
وبالفعل، ما أن مرت دقائق حتى شاهدنا شاباً يحمل حقيبة ويتجه نحونا. عندما اقترب الشاب لاحظت أنه نحيف وضامر. وجهه ضارب للصفرة. كان يبدو أشبه بالمريض. وكان عمره حوالي الثلاثين. وكان يتعثر في مشيته. ما أن اقترب منا وحيانا. حتى سألناه بلهفة:
- هل تحمل سندويشات في حقيبتك؟
رد ذاهلاً:
- كلا.
شعرنا بأسف ممض. لكني ألححْتُ في السؤال:
- ألم تزودك أمك بشيء يؤكل؟
رد وهو يكابد ذهولاً أكبر وأعظم:
- ماتت أمي وهي تلدني. وأنا لا أعرفها.
سأله الكلب:
- هل أنت جائع؟
رد بلهفة وشوق:
- أجل. أجل.
فأشار كل منا. أنا والكلب إلى القمامة. فانخرط الشاب داساً أنفه في القمامة وغرق فيها لساعات طويلة. ثم نهض وجلس بجانبنا على قارعة الطريق وهو يتمتم:
- لم أشبع.
قال الكلب:
- لم يترك سكان الأرض شيئاً يؤكل حتى ولو بقايا من قمامتهم.
ثم انهارت قوانا. وجلسنا صامتين على قارعة الطريق كل يفكر حسب هواه. ثم فجأة قطع الشاب الضعيف حبل الصمت وقال بنبرة صارمة:
- لن أشارككم بعد اليوم في أكل القمامة.
دهشنا. لكنا سألناه:
- لماذا؟
قال:
- هذه القمامة لا تكفي لنا نحن الثلاثة. إنها تكفي لاثنين فقط.
قلنا:
- وماذا ستفعل إذاً؟!..
رد بثبات وقوة:
- سوف أصوم.
ثم صام الشاب فترة طويلة. لم يذق لقمة واحدة. وكنت والكلب منهمكين في التهام القمامة.
ثم بعد قليل قال الكلب:
- ألا نذهب للنوم قليلاً؟!..
رد الشاب:
- فعلاً فأنا متعب جداً.
ثم توجهنا نحن الثلاثة إلى دارنا. دار البغاء سابقاً. وهناك تمددنا على ثلاث أرائك. بدا وكأنها قد أعدت لنا مسبقاً. غططنا في نوم عميق. نوم استمر ساعات أو أياماً أو شهوراً. بل ربما سنين.
لم أستيقظ من نومي إلا حين أحسست بأن الكلب يشدني من ساعدي محاولاً إيقاظي، نهضت مذعوراً ومتعباً. كان الوقت ليلاً. قال الكلب بصوت متهدج:
- لقد مات الشاب.
أصبت بالفزع. وشلت المأساة لساني وكياني. جلست والكلب حائرين ساعات طويلة وأمامنا جثة الشاب مسجاة على الأريكة. ماذا حدث؟ هل هو الصوم؟ أم لعله لعن....هو الآخر!
ولكن لماذا يجب أن يموت. كان من الممكن أن يظل نائماً إلى الأبد مثل باقي سكان المدينة. قال الكلب:
- أنا حائر في أمره.
قلت:
- لا أعتقد أن كفره هو السبب.
أجاب الكلب:
- يراودني الشعور نفسه.
وظل موت الشاب شيئاً غامضاً. لغزاً عصياً. دفناه بسرعة. ثم توجهنا صوب القمامة. دفنت والكلب رأسينا في القمامة وجعلنا نفتش. وبعد لأي انخرطنا نصلي. لكن الصمت كان مرعباً. لا أمل. لا أحد. المعدة خاوية والمصيبة أننا لا نموت من الجوع. فبقايا القمامة التي نحصل عليها بمشقة وصعوبة كانت كافية لأن نبقى أحياء وجائعين في الوقت نفسه.
كنا جالسين على قارعة الطريق نفكر في مأساة هذا العالم. حين نعق القطار من جديد. لم نأبه للأمر كثيراً. الآن. لقد اعتدنا. ما همّ لو أتى شاب آخر. مات أم نام أم بقي يفتش معنا عما نقتات به في مدينة النائمين هذه.
لكننا بوغتنا بشيء شحذ أبصارنا. كان الزائر الجديد هو سائق القطار نفسه. كان يحمل حقيبته على كتفه. اقترب منا. كنت والكلب مذهولين. لكنه بادرنا بالكلام:
- لم يأت معي أحد هذه المرة. ومن الجائز أنه لم يعد يأت أحد أبداً. فجئت أنا بالذات.
قلنا:
- هل ستعيش معنا في مدينة النائمين هذه وتبدأ بالتهام القمامة مثلنا.
قال:
- كلا. إنما أتيت كي أصحبكم إلى مدينة أخرى.
سألناه بدهشة ولهفة:
- هل ثمة مدينة أخرى؟!...
قال:
- سمعت هكذا. ولست أدري إن كان الخبر حقيقياً أم لا.
قلت:
- إذاً لا يقين.
قال:
- علينا أن نجازف.
قال الكلب متلهفاً:
- هيا لنركب القطار.
رد السائق:
- لا يمكن. فأنت تعلم أن هذه المدينة هي نهاية سكة القطار. والقطار لا يسير دون سكة.
سألناه:
- ما العمل؟!..
قال أسفاً:
- علينا أن نمشي بحثاً عن تلك المدينة.
صمتنا لحظة. إن هذا مثير لليأس. ولكن الأمل يستحق المجازفة. هذه الحياة في هذه المدينة لم تعد تطاق. والخير أن نبحث عن مدينة أخرى حتى ولو كانت تقع في غياهب المجهول. حتى ولو كانت من نسج الخيال. إن هذا يطيل من عمرنا. وهو أقصى ما نسعى إليه. نهضنا نحن الثلاثة. ثم طفقنا نسير وسط الدجى. وطوانا المجهول.
1998
- معن مصطفى الحسون
- قصص - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000